فخر الدين الرازي

258

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً * الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما [ الفرقان : 58 59 ] وقال : وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [ ق : 38 ] . واما السؤال الخامس : فجوابه ان المراد انه تعالى خلق السماوات والأرض في مقدار ستة أيام وهو كقوله : لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا [ مريم : 62 ] والمراد على مقدار البكرة والعشي في الدنيا لأنه لا ليل ثم ولا نهار . واما السؤال السادس : فجوابه ان قوله : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [ القمر : 50 ] محمول على إيجاد كل واحد من الذوات وعلى اعدام كل واحد منها لان إيجاد الذات الواحدة واعدام الموجود الواحد لا يقبل التفاوت فلا يمكن تحصيله الا دفعة واحدة واما الامهال والمدة فذاك لا يحصل الا في المدة . واما السؤال السابع : وهو تقدير هذه المدة بستة أيام فهو غير وارد لأنه تعالى لو أحدثه في مقدار آخر من الزمان لعاد ذلك السؤال وأيضا قال بعضهم لعدد السبعة شرف عظيم وهو مذكور في تقرير ان ليلة القدر هي ليلة السابع والعشرين وإذا ثبت هذا قالوا : فالأيام الستة في تخليق العالم واليوم السابع في حصول كمال الملك والملكوت وبهذا الطريق حصل الكمال في الأيام السبعة انتهى . المسألة الرابعة : في هذه الآية بشارة عظيمة للعقلاء لأنه قال : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ والمعنى ان الذي يربيكم ويصلح شأنكم ويوصل إليكم الخيرات ويدفع عنكم المكروهات / هو الذي بلغ كمال قدرته وعلمه وحكمته ورحمته إلى حيث خلق هذه الأشياء العظيمة وأودع فيها أصناف المنافع وأنواع الخيرات ومن كان له مرب موصوف بهذه الحكمة والقدرة والرحمة فكيف يليق ان يرجع إلى غيره في طلب الخيرات أو يعول على غيره في تحصيل السعادات ؟ ثم في الآية دقيقة أخرى فإنه لم يقل أنتم عبيده بل قال هو ربكم ودقيقة أخرى وهي انه تعالى لما نسب نفسه إلينا سمى نفسه في هذه الحالة بالرب وهو مشعر بالتربية وكثرة الفضل والإحسان فكأنه يقول من كان له مرب مع كثرة هذه الرحمة والفضل فكيف يليق به ان يشتغل بعبادة غيره ؟ اما قوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ فاعلم أنه لا يمكن ان يكون المراد منه كونه مستقرا على العرش ويدل على فساده وجوه عقلية ووجوه نقلية . اما العقلية فأمور : أولها : انه لو كان مستقرا على العرش لكان من الجانب الذي يلي العرش متناهيا والا لزم كون العرش داخلا في ذاته وهو محال وكل ما كان متناهيا فان العقل يقضي بأنه لا يمنع ان يصير أزيد منه أو انقص منه بذرة والعلم بهذا الجواز ضروري فلو كان الباري تعالى متناهيا من بعض الجوانب لكانت ذاته قابلة للزيادة والنقصان وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بذلك المقدار المعين لتخصيص مخصص وتقدير مقدر وكل ما كان كذلك فهو محدث فثبت انه تعالى لو كان على العرش لكان من الجانب الذي يلي العرش متناهيا ولو كان كذلك لكان محدثا وهذا محال فكونه على العرش يجب ان يكون محالا . وثانيها : لو كان في مكان وجهة لكان اما ان يكون غير متناه من كل الجهات واما ان يكون متناهيا في كل الجهات . واما ان يكون متناهيا من بعض الجهات دون البعض والكل باطل فالقول بكونه في المكان والحيز باطل قطعا . بيان فساد القسم الأول : انه يلزم أن تكون ذاته مخالطة لجميع الأجسام السفلية والعلوية وأن تكون